بهاء الدين الجندي اليمني

102

السلوك في طبقات العلماء والملوك

ضلالتهم لقديمة أوحى اللّه إلى نبي اسمه شعيب كان قومه يتعاطون « 1 » معرفة النجوم وإدراك المغيبات مر قومك فيسألوا كهّانهم وأهل النجوم فيهم عن أمر أريد إحداثه فليخبروني ما هو فسألهم شعيب عن ذلك فلم يأتوه بعلم فقال : يا رب أنت أعلم أنّهم لم يهتدوا إلى ما أمرتني به فتصدق عليّ بتعريفه فقال : إني أريد أن أحول الملك في الأذلاء والحكمة في أهل الجفاء وأحوّل الأحلام في الفدادين « 2 » وأبعث أعمى في عميان وأميّا في أميين وأنزل عليه السكينة وأؤيده بالحكمة بحيث لو يمر « 3 » سراج لم يطفئه أو على قصب الرعراع لم يسمع له « 4 » صوت وقال : الإيمان قائد ، والعمل سائق والنفس بينهما حرون « 5 » فإذا قاد القائد ولم يسق السائق اتبعته النفس طوعا وكرها وطاب العمل ، وسئل عما يقول بعد الطعام فقال : الحمد للّه الذي أكرمنا وحملنا في البر والبحر ورزقنا من الطّيبات وفضّلنا على كثير ممن خلق تفضيلا ، وقال : مكتوب في التوراة من لم يدار عيشه مات قبل أجله ، وقال في التوراة : الأعمى ميت والفقير ميت ، واستشاره رجل في رجلين خطبا ابنته وقال : إن أحدهما من الموالي وهو ذو مال ، والآخر من همدان لكنه فقير فقال له وهب زوج الهمداني فإن الأموال عوار تذهب وتجيء والأحساب لا تذهب ، فانطلق الرجل وأزوج الهمداني « 6 » وكان يقول في قوله تعالى : إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ما كان أقل من العشرة فهو قليل ، وكان إذا دخل مكة أيام ابن الزبير يكرمه ويبجّله ويجله ، وإذا دخل عليه في مجلسه قام له وأجلسه معه على سريره لا يفعل ذلك لأحد غيره حتى كان رؤساء قريش ومن يحضره يحسدونه على ذلك ، ثم إن بعض أعيان قريش طمع بتخجيل وهب بأن يكلمه بشيء في مجلس ابن الزبير لا يطيق الجواب عنه فقال له : أين أمكم ، وكان وهب لا لحية له ، ومعنى السؤال إنما أنت شبيه بالنساء ، فتساءل عما يسأل عنه النساء فأجابه وهب مسرعا : أمّنا هاجرت وأسلمت مع سليمان للّه رب العالمين ، ولكن أخبرنا أين أمكم ؟ فسكت القرشي فقال : قل في جيدها حبل من مسد ، فقال ابن الزبير للقرشي : هذا وهب بن منبه سيد

--> ( 1 ) كذا في « ب » ، وفي « د » يتعاملون ، وغير موجود في الرازي من قوله « وذكر أهل النجوم » إلى « معرفة النجوم » مع نقص في الأصل . ( 2 ) في الرازي « في الغلاة » والأحلام : العقول ، الفدادون : الجمّالون والرعيان . ( 3 ) في الرازي لويمر إلى حيث السراج وصوابه بسراج أو على سراج . ( 4 ) في الرازي لم يستمع صوته والرعراع : اليراع والقصب الطويل . ( 5 ) الحرون بالفتح الدابة التي لا تمشي عندما يراد منها ذلك والكلمة مستعملة . ( 6 ) في الرازي سمّى الرجلين وهما شداد بن حابان من الموالي وسالم ذو لعوة الهمداني .